محمد بن جرير الطبري

147

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ فقرا حتى بلغ : أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ التوبة : قال هذه السبع الدرجات . قال : وكان أول شيء ، فكانت درجة الجهاد مجملة ، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه ، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها ، فلم يكن له منها إلا النفقة . فقرأ : لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ التوبة : وقال : ليس هذا لصاحب النفقة . ثم قرأ : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً التوبة : قال : وهذه نفقة القاعد . وقال آخرون : عني بذلك درجات الجنة . ذكر من قال ذلك . حدثنا علي بن الحسن الأزدي ، قال : ثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن هشام بن حسان ، عن جبلة بن سحيم ، عن ابن محيريز في قوله : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ إلى قوله : دَرَجاتٍ قال : الدرجات : سبعون درجة ، ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة . وأولى التأويلات بتأويل قوله : دَرَجاتٍ مِنْهُ أن يكون معينا به درجات الجنة ، كما قال ابن محيريز ؛ لأن قوله تعالى ذكره : دَرَجاتٍ مِنْهُ ترجمة وبيان عن قوله : أَجْراً عَظِيماً ، ومعلوم أن الأجر إنما هو الثواب والجزاء ، وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت الدرجات والمغفرة والرحمة ترجمة عنه ، كان معلوما أن لا وجه لقول من وجه معنى قوله : دَرَجاتٍ مِنْهُ إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد كما قال قتادة وابن زيد . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان الصحيح من تأويل ذلك ما ذكرنا ، فبين أن معنى الكلام : وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين من غير أولي الضرر . أجرا عظيما وثوابا جزيلا ، وهو درجات أعطاهموها في الآخرة من درجات الجنة ، رفعهم بها على القاعدين بما أبلوا في ذات الله . وَمَغْفِرَةً يقول : وصفح لهم عن ذنوبه ، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها . وَرَحْمَةً يقول : ورأفة بهم . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يقول : ولم يزل الله غفورا لذنوب عباده المؤمنين ، فيصفح لهم عن العقوبة عليها رَحِيماً بهم ، يتفضل عليهم بنعمه ، مع خلافهم أمره ونهيه وركوبهم معاصيه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ . . . فَأُولئِكَ عَسَى يعني جل ثناؤه بقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ يعني : مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه . وقد بينا معنى الظلم فيما مضى قبل . قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ يقول : قالت الملائكة لهم : فيم كنتم ، في أي شيء كنتم من دينكم . قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ يعني : قال الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم : كنا مستضعفين في الأرض ، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم ، فيمنعونا من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ، معذرة ضعيفة وحجة واهية . قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها يقول : فتخرجوا من أرضكم ودوركم ، وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله ، فتوحدوا الله فيها وتعبدوه ، وتتبعوا نبيه ؟ يقول الله جل ثناؤه : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم ، الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، مأواهم جهنم ، يقول : مصيرهم في الآخرة جهنم ، وهي مسكنهم . وَساءَتْ مَصِيراً يعني : وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى . ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان ، وهم العجزة عن الهجرة بالعسرة وقلة الحيلة وسوء البصر والمعرفة بالطريق من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم أن تكون جهنم مأواهم ، للعذر الذي هم فيه ، على ما بينه تعالى ذكره . ونصب المستضعفين على الاستثناء